كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

طمر الكفاءات

 لا يمكن لأي بلد أن يحقق التقدم والازدهار ما لم يضع دعم المواهب والكفاءات في مقدمة أولوياته، عبر رعايتها وتنمية قدراتها وتشجيعها على الإبداع والابتكار، وتحفيزها على تحقيق المزيد من الإنجازات العلمية والعملية. فمثل هذا الدعم لا ينعكس على الأفراد فحسب، بل يشكل حافزًا للأجيال القادمة من الطلبة والباحثين لخوض ميادين المنافسة العلمية، وتقديم الابتكارات، وإتاحة الفرصة لهم للالتحاق بالبعثات الدراسية الدولية لاستكمال دراساتهم وتطوير خبراتهم.

إن الاستثمار في الطاقات العلمية يمثل ركيزة أساسية لبناء الوطن، لما يحققه من رفد للتخصصات الإنسانية والعلمية والطبية والصناعية بكفاءات قادرة على التطوير والإبداع. كما أن استقطاب هذه العقول وتمكينها من العمل يسهم في تبادل الخبرات والأفكار، ويخلق بيئة معرفية منتجة تترك أثرًا إيجابيًا في مختلف مجالات الاختصاص.

لكن المؤسف أن نشهد إقصاء أصحاب الكفاءة لصالح أشخاص يفتقرون إلى المهنية، يصلون إلى مواقع المسؤولية عبر الوساطة الحزبية أو المحسوبية. فهذه الممارسات لا تظلم الكفاءات فحسب، بل تقتل روح الإبداع، وتغلق أبواب التميز، وتكرس ثقافة الفشل على حساب الاستحقاق.

إن تهميش الموهوبين وحرمانهم من فرصهم المشروعة وعدم تمكينهم من مواصلة مسيرتهم العلمية والإبداعية، هو في الحقيقة تجفيف لمنابع النجاح، وفتح الطريق أمام الجهل ليتصدر مواقع الإدارة، مما يؤدي إلى ترسيخ الفساد بدلًا من مكافحته.

فكيف يمكن أن نبني وطنًا ونحن نهدم أهم مقومات بنائه؟ وكم من طالب تخرج بامتياز ما يزال ينتظر فرصة عمل أو مبادرة حكومية تحتضن تفوقه، وكأن سنوات الجد والاجتهاد قد انتهت بلا قيمة. فيجد نفسه مضطرًا للبحث عن أي عمل لا يمت لتخصصه بصلة، محتفظًا بشهادة التفوق دون أن يحظى بفرصة توظف علمه وقدراته.

إن تمكين المتفوقين، وتكريمهم، وإيفادهم في بعثات دراسة على نفقة الدولة، ليس مجرد تكريم لأفراد، بل هو استثمار حقيقي في مستقبل الوطن، وبث لروح المنافسة العلمية، وتشجيع للأجيال على السعي نحو التميز والنجاح. أما استمرار هيمنة غير المهنيين والفاسدين وأصحاب الوساطات والمحسوبيات على مفاصل الدولة، فلن ينتج سوى المزيد من الفساد، وسيؤدي إلى إقصاء الكفاءات وطمس المواهب التي تمثل الثروة الحقيقية لأي بلد.

✦ كتابات في الميزان ✦

يضع الكاتب يده على واحدة من أخطر مشكلات بناء الدولة، وهي إبعاد الكفاءات وفتح الطريق أمام المحسوبية والوساطات. فالموهوب الذي لا يجد فرصةً تليق بعلمه يتحول من طاقة قادرة على خدمة وطنه إلى ضحية للإحباط أو الهجرة. ويؤكد المقال أن تكريم المتفوقين وتمكينهم ليس تفضّلًا عليهم، بل استثمار حقيقي في مستقبل البلاد، لأن الأوطان لا تُبنى بتقديم الولاء على الكفاءة.

هجرة_الكفاءات.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!