كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هل الشعر حصانة للشاعر؟

الشعر فن موجود وعبر التاريخ، وعظمته تتجلى في العصر الجاهلي ومن بعده الإسلامي، ومن ثم أخذ منحى آخر أيام الدولة الأموية والعباسية. أنا شخصيًا لا أرغب للشعر إطلاقًا، بالرغم بما يتصف من فن وحتى هندسة الحركات واختيار الكلمات البليغة وفق مقاسات البحر.

نعم، القرآن الكريم ذكر الشعر والشعراء ومن يتبعهم، وقليل هم الذين استخدموا فن الشعر للحق أو الحكمة، وأما البقية الباقية فهي لأغراض أخرى، وفي نفس الوقت قرأت كتبًا تتحدث عن سرقات الشعراء وعلى رأسهم المتنبي الذي علا صيته في كل العصور حتى يومنا هذا.

وبعيدًا عن هوية أو قومية أو ديانة الشاعر، فلماذا إذا ما أحسن الشعر تغاضى القوم عن سيرته السيئة، فهل الشعر حصانة كحصانة فاسدي البرلمان مثلًا؟

هنالك شعراء بمنتهى الخلاعة يمجد ذكرهم وتنصب لهم التماثيل، منهم أبو نؤاس الخليع والرصافي الذي لم يترك رذيلة إلا ومارسها، وأخيرًا جاء حكم البعث ليتوج رذائله بنصب تمثال له في قلب بغداد.

الشعر هو المشاعر الصادقة التي تتفق والشرعية السليمة مع من يحرك مشاعر الشاعر، وما ميمية الفرزدق إلا خير مثال على لحظة انهمرت الكلمات البليغة وفق الهندسة الشعرية لتحرك مشاعر الحجيج برمته، والمواقف كثيرة في هذا الخصوص.

لكن عندما أقرأ سيرة أي شخصية تاريخية، فما أن يقول الشعر حتى ينتقل صيته في أرجاء المعمورة، وهناك شعر يمس الثوابت فيأخذ شهرته ما بين الإدانة للشاعر وما بين الشماتة في الإسلام، والنتيجة أنه يشتهر.

وقرأت في رواية أن الحسين عليه السلام أعطى مبلغًا من المال لشاعر لم يمدحه أصلًا، فقال الحسين عليه السلام: أنا لم أعطه حتى يمدحني، بل لا يهجوني في شعره، وهنا الشعر في ذلك الزمان من أقوى وسائل الإعلام.

وإضافة إلى الرصافي أصبح لنا الجواهري، الذي حصانته رئاسية وليست برلمانية، وهيهات لأحد أن ينتقده. أنا أنتقده لسيرته السيئة، بعيدًا عن قباحته في صراحته لدرجة أنه يذكر أشياء تمس سمعة الآخرين، لكن ما يخصه هو ورفيقه (العرگ) الذي يرافقه في كل مكان، حتى إن أحد أصدقائي ذكر لي أنه ذهب ليزوره في دمشق، فقال له حرس العمارة: تعال بعد ثلاثة أيام. فقال له: هل مواعيده مزدحمة؟ فقال له: لا، ولكنه عاد منتصف الليل وهو مثقل بشرب الخمر، فلا يصحو من نومه إلا بعد ثلاثة أيام.

قال شعرًا بحق الإمام الحسين عليه السلام، ثم ماذا؟ فالحسين يحرك حتى الصخر من يستوعب مأساته، فليس الحسين بحاجة لشعر خمار.

شاعر كاظمي مشهور (م. ج) ـ لم أذكر اسمه لربما لا يوافق أو لم أترخص منه ـ أيام الطاغية وأيام مجلس الخاقاني، طلب منه شاعر (بوق بعثي) أن يقول شعرًا للطاغية وسيجعله يحصل على أعلى المراتب، لكنه اعتذر وقال له: دعني من هذا الأمر، والشاعر البعثي مشكور لأنه لم يكتب تقريرًا عنه. وأتذكر له مقطعًا لقصيدة له عن الحسين عليه السلام: (يا سور المرمر ما الك صواعيد)، يعني الجدار المبني من مرمر لا يستطيع أحد أن يتسلقه.

بالنتيجة، لا أنكر ألفية ابن مالك، ولا أنكر بعض المواقف الخالدة بسبب الشعر، لكن طالما أن كل الغناء أصله شعر وليس كل الشعر أصله غناء، فأثر الغناء حرام.

كنت في لبنان، وجمعتني الصدفة مع أشخاص أعزاء، وذكر أحدهم أنه يريد إقامة مهرجان شعري ودعوة الشعراء لمناسبة معينة، فابتسمت. وقال لي: لماذا؟ قلت: أنت الآن تريد شراء (أسطة بناء)، فهي مهارة لكنها تسخر لغاية، وهنا الشعراء سيقومون بترتيب الكلمات من أجل الجائزة وليس التعاطف مع المناسبة.

✦ كتابات في الميزان ✦ 

يطرح المقال سؤالًا حساسًا حول الفصل بين قيمة النتاج الأدبي وسيرة صاحبه، رافضًا أن تتحول الموهبة الشعرية إلى حصانة تمنع النقد. ويستند الكاتب إلى أمثلة تاريخية ومعاصرة ليؤكد أن جمال النص لا يبرر بالضرورة مواقف صاحبه أو سلوكه. وفي جوهره، يدعو المقال إلى تقييم الشعر بوصفه فنًا، مع إبقاء الشاعر خاضعًا للميزان الأخلاقي والنقدي نفسه الذي يخضع له الآخرون.

الشعر_الشعراء.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!