جاء في کتاب قاعدة لا ضرر ولا ضرار للسيد علي السيستاني: وأمّا (الضرار) فهو مصدر علىٰ وزن (فعال) لباب (فاعل يفاعل) والمصدر الآخر لهذا الباب هو (المفاعلة) يقال: ضاره يضاره مضارة وضراراً، ويعبر عن هذا الباب بباب المفاعلة نسبة إلىٰ أشهر مصادرها، وقد نسب إلىٰ جمع من اللغويين القول بأن باب المفاعلة موضوع للمشاركة، بمعنىٰ انّ كلاً من الطرفين فعل بالآخر مثل ما فعله الآخر به ك (ضارب زيد عمرواً)، ولكن احدى النسبتين في ذلك اصلية والأخرى تبعية. ولكن من لاحظ موارد الاستعمالات القرانية وغيرها لا يجد تمثل معنىٰ المشاركة فيها. كقوله تعالىٰ: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ" (البقرة 231). وقوله تعالىٰ: "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ" (البقرة 233). وقوله تعالىٰ: "وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ" (البقرة 282). وقوله تعالىٰ: "وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ" (النساء 2). وقوله تعالىٰ: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ" (التوبة 107). وقوله تعالىٰ: "أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ" (الطلاق 6)، وقوله صلى الله عليه وآله مخاطباً لسمرة كما في خبر أبي عبيدة ما أراك يا سمرة إلا مضاراً، وقوله عليه السلام في حديث عتق بعض الشركاء حصة من العبد (وإن اعتق الشريك مضاراً وهو معسر) إلىٰ غير ذلك من الموارد التي لا يلاحظ في شيء منها تمثل معنىٰ المشاركة.
ويستطرد المرجع الاعلى السيد السيستاني في كتابه عن لفظتي ضرر وضرار قائلا: ما اختاره جمع من المحققين من أنّ هيئة المفاعلة تقتضي السعي إلى الفعل، فإذا قلت (قتلت) فقد اخبرت عن وقوع القتل وإذا قلت (قاتلت) فقد اخبرت عن السعي إلى القتل، فربما يقع وربما لا يقع، ولا تقتضي المشاركة، نعم ربما تكون المادة في نفسها مقتضية للمشاركة ـ من غير ارتباط لها بالهيئة ـ وذلك كما في المساواة والمحاذاة والمشاركة والمقابلة، والشاهد على عدم استفادة المشاركة من الهيئة عدة آيات. منها: قوله تعالىٰ: "يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ" (البقرة 9)، فذكر سبحانه انّ المنافقين بصدد ايجاد الخدعة لكن لا تقع خدعتهم إلا على انفسهم، ومن ثم عبر في الجملة الأولى بهيئة المفاعلة، لأن الله تعالى لا يكون مخدوعاً بخدعتهم لأن المخدوع ملزوم للجهل وتعالى الله عنه علواً كبيراً، وعبّر في الجملة الثانية بهيئة الفعل المجرد لوقوع ضرر خدعتهم علىٰ أنفسهم لا محالة. ومنها: قوله تعالىٰ: "إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ" (التوبة 111) حيث ذكر تحقّق القتل الفعلي من الجانبين بعد ذكر تحقّق القتال معطوفاً عليه بالفاء، ممّا يدل علىٰ المغايرة بينهما، وأن معنىٰ القتال هو السعي إلىٰ القتل دون نفس القتل الذي فصله بعد ذلك.
وعن التشريعات حول الضر والضرار يقول السيد علي السيستاني حفظه الله: تشريع اتخاذ وسائل إجرائية ضد تحقّق الاضرار من قبل الحاكم الشرعي، وذلك لان مجرد التحريم القانوني ما لم يكن مدعماً بالحماية اجراءً ـ لا سيّما في مثل (لا ضرار) لا يستوجب انتفاء الطبيعة ولا يصحح نفيها خارجاً. واما الوجه التفصيلي: لدلالة الحديث علىٰ ذلك فتوضيحه: ان هذا الحديث يمثل نفياً لمفهومين (هما الضرر والضرار)، وهذه الصيغة أعني صيغة النفي ـ رغم وحدتها صورة ووحدة المراد الاستعمالي منها تحتوي علىٰ معان مختلفة بحسب اختلاف الموارد: فربما: يكون محتواها التحريم المولوي كما في "لا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الحَجِّ" (البقرة 197). واخرى: تكون ارشاداً إلىٰ عدم ترتب الاثر القانوني المترتب علىٰ الشيء كما في (لا طلاق الا لمن اراد الطلاق) فانه يدل علىٰ عدم حصول الفراق القانوني بانشاء الطلاق اذا لم يكن مراداً جدياً. وثالثةً: تكون ارشاداً إلىٰ محدودية متعلق الأمر كما في (لا صلاة إلا بطهور) فانه يدل علىٰ محدودية الصلاة الواجبة بالطهارة. ورابعة: تقتضي عدم وجود حكم يبعث علىٰ وجود شيء كما في ما لو قيل (لا حرج في الدين) إلىٰ غير ذلك من محتوياتها. وعلى هذا فلا بُدّ في معرفة معنىٰ الحديث، وتحقيقه من تحقيق ميزان اختلاف محتوى الكلام في هذه الموارد وغيرها رغم وحدة عنصره الشكلي، ثم تحقيق معنىٰ الحديث علىٰ ضوء هذا الضابط العام. ان يكون مصب الحكم ماهية اعتبارية ذات آثار وضعية عقلائية ويؤتى بها عادة بداعي ترتيب تلك الآثار التي يحترمها القانون ويمضيها ويحميها في مرحلة الإجراء ـ وذلك كالعقود والايقاعات. ومحتوى الصيغة في هذا الفرض هو عدم ترتب الأَثر المزبور علىٰ المتعلق في مورد النهي والنفي ك (لا بيع الا في ملك) و (لا طلاق إلا لمن اراد الطلاق) أو علىٰ غير المتعلق في مورد الأَمر والاثبات ك "فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ" (الطلاق 1). ولذا يكون الحكم في ذلك حكماً ارشادياً.
ويستطرد المرجع الاعلى السيد السيستاني في كتابه عن التشريعات حول الضر والضرار (ويلاحظ): ان استعمال صيغة الأمر والنهي في هذا الموضع ليس مجازاً بل هو استعمال حقيقي لان فصل العلقة بين الطبيعة وبين الأثر المرغوب منها ينسجم مع صيغة الزجر تمام الانسجام لأنّه يوجب انزجار المكلف عن ذلك بالامكان وكلما كان المحتوى المعنوي في اللفظ يحقق للعنصر الشكلي فيه التأثير المطلوب منه المسانخ اياه فإن الاستعمال يكون حينئذٍ حقيقياً بعد تمام المحتوىٰ المزبور إذ يتأتىٰ للمتكلم حينئذٍ ان يقصد المدلول الاستعمالي بالكلام جدّاً، وفصل العلقة في المقام مستوجب لفاعلية الزجر الانشائي، كما أن الوعيد في النهي المولوي مستوجب لفاعلية الزجر الانشائي. وهكذا في صيغة البعث في مورد الامر بالحصة ك "فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ" (الطلاق 1) يكون الاستعمال حقيقياً، فان تحديد الوسيلة بعد تعلق الغرض مسبقاً باثرها نوع من البعث للشخص نحو الوسيلة المشروعة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!