كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

لماذا تعاني العاصمة الأيرانية - طهران - من نقص المياه؟.

 
الموقع
طهران، العاصمة الرسمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية وأكبر مدنها من حيث عدد السكان. تقع في شمال البلاد عند سفوح جبال ألبرز، وتُعد واحدة من أكثر المدن ازدحاماً في منطقة غرب آسيا. تشكل طهران مركزاً محورياً لإيران على المستويات السياسية، الاقتصادية، والثقافية.  
تحتضن المدينة المؤسسات السيادية للدولة مثل مكاتب المرشد الأعلى للثورة، مقر رئاسة الجمهورية والحكومة، بالإضافة إلى مجلس الشورى. كما تُعتبر موطناً للعديد من المؤسسات المالية الكبرى، الجامعات، المراكز البحثية، والمرافق الثقافية.  
 
طهران : تُعد العاصمة الثانية والثلاثين لإيران بعد أن أصبحت مركز الحكم في أواخر القرن الثامن عشر خلال حكم القاجاريين، حيث نقلت السلطة إليها من مدينة شيراز. وعلى مدار الزمن، تطورت طهران لتكون مدينة حضرية رئيسية تجمع بين الطراز المعماري التقليدي والتمدن الحديث.  
كانت طهران قديماً عبارة عن قرية صغيرة تتبع مدينة الري وتقع بين هذه الأخيرة وبين سفوح جبال البرز، وتوجد مدينة الري حالياً جنوب مدينة طهران وتتصل بها عمرانياً. 
أصبحت طهران عاصمة لإيران في عام 1795 عندما قام ملك القاجار آغا محمد خان (1742-1797) بنقل العاصمة إليها من مدينة شيراز.
تحمل طهران أهمية تاريخية ودولية، فقد استضافت عام 1943 مؤتمر القادة المتحالفين خلال الحرب العالمية الثانية؛ مجتمعين رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، وزعيم الاتحاد السوفيتي السابق جوزيف ستالين. 
تعرضت المدينة في 13 يونيو/حزيران 2025 لغارات جوية إسرائيلية، استهدفت مواقع حساسة وسطها، كما كانت مسرحاً لعمليات اغتيال طالت قادة بارزين في الحرس الثوري الإيراني وعلماء مختصين في المجال النووي.
من الناحية الجغرافية، تقع طهران شمال إيران قرب السفوح الجنوبية لجبال ألبرز، بارتفاع يتراوح بين 900 و1800 متر فوق سطح البحر مع متوسط يصل إلى نحو 1200 متر. تتمتع بموقع فريد يدمج بين الجبال في الشمال والسهل شبه الصحراوي المعروف بسهل الكوير جنوباً. 
تمتد مساحة مركز المدينة لـ615 كيلومتراً مربعاً، فيما تغطي المنطقة الحضرية المشاركة نحو 2235 كيلومتراً مربعاً.  
وتُعد الثلوج المتراكمة على جبال ألبرز المصدر الأساسي الذي يُزود المدينة بالمياه، مما يعزز قيمة موقعها من الناحية البيئية والاستراتيجية.
كذلك تقع العاصمة الأيرانية - طهران - ضمن منطقة انتقالية بين النطاق المداري وخطوط العرض المتوسطة، وهذا يكسبها أنظمة عواصف معقدة تختلف طبيعتها ومصادرها ما بين الشتاء والربيع. ورغم توقعات الهيئة الحكومية الدولية بدقة معتدلة لهطولات الشتاء في المنطقة، إلا أن التباينات بين نتائج النماذج تستدعي مزيدًا من البحث لتعميق الفهم حول الظروف المناخية الطبيعية وتأثير تغير المناخ المستقبلي على هطولات الشتاء.

موجة الحر الحادة وشبح الجفاف
لقد شهدت - طهران - خلال هذا العام موجة حادة من الحر والجفاف تميزت بفترات طويلة وضغط استثنائي على الموارد. ومع تصاعد درجات الحرارة العالمية، يتزايد احتمال تكرار هذه الظواهر مما ينذر بمزيد من الجفاف المتكرر. 
هذه التغيرات ستؤثر على مستويات المخزون المائي، وتفاقم تحديات إمدادات المياه الحضرية، وتشكل تهديدًا مباشرًا على الصحة العامة والطاقة والإمدادات الغذائية. يسلط هذا السيناريو الضوء على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة ذات مسارين متوازيين: تقليل الانبعاثات العالمية بوتيرة سريعة، مع تبني استراتيجيات محلية للتكيف الاستباقي، وذلك لحصر المخاطر المتزايدة وتخفيف الأعباء المستقبلية.
في السنوات الأخيرة، بدأت العاصمة الإيرانية يطاردها شبح "الجفاف"، ذلك الوباء الذي قد تتوقف فيه صنابير المياه عن العمل تمامًا. التحذيرات تأتي على خلفية التغييرات المناخية الحادة التي شهدتها البلاد، بدءًا من العواصف المتقلبة وصولًا إلى صيف بدأ يفرض نفسه كأشدّ قسوة في التاريخ الحديث.
صيف عام 2025 كان مثالًا صارخًا لهذه التحديات. درجات الحرارة ارتفعت إلى الخمسينات مئوية، ما دفع السلطات لإغلاق المكاتب الحكومية والبنوك في محاولة للتعامل مع موجة الحر الاستثنائية. في تلك الأثناء، وصلت مستويات المياه في الخزانات الرئيسية – المصدر الأساسي لشرب سكان طهران – إلى مستويات منخفضة قياسية. 
على سبيل المثال، انخفض منسوب المياه في خزان سد أمير كبير، وهو أحد مصادر المياه المركزية للمدينة، إلى أقل من 8% من سِعته مع حلول شهر نوفمبر, تشرين الثاني 2025.
الأزمة الحالية ليست وليدة موسم واحد فقط، بل هي نتاج سنوات طويلة من انخفاض معدلات هطول الأمطار مصحوبة بجفاف مستمر يجتاح إيران بأكملها. للأسف، يبدو أن التداعيات بدأت تضرب بقوة منظومة الحياة الحضرية في العاصمة طهران, فالأراضي الرطبة جفت، معدلات التبخر وصلت لأوجها، والأنهار أضحت في حالة انحسار غير مسبوقة. أما مصادر الطاقة الكهرومائية فتضررت بشكل كبير بسبب نقص تدفق المياه من السدود.
مع تعمق الأزمة، بدأت تداعياتها المجتمعية والاقتصادية تظهر بوضوح. معالم البنية التحتية باتت هشة، ونظام إمداد المياه أصبح عرضة لخطر الانهيار. ما دفع المسؤولين الإيرانيين إلى تحذير المواطنين من أن العاصمة قد تواجه إخلاءً كاملاً إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لاستعادة الموارد المائية. الرئيس (مسعود بزشكيان) ألمح خلال تصريحات في شهر نوفمبر أن نقل العاصمة قد يصبح خيارًا حتميًا إذا ظلت الأمور على حالها.
السياق المناخي للإشكالية يظهر بوضوح عند النظر إلى البيانات: فبين ديسمبر وأبريل، يفترض أن تكون طهران في موسم الأمطار الذي يعيد ملء الخزانات قبل قدوم الصيف الجاف. لكن في عدة سنوات ماضية، وبالأخص خلال موسم 2024-2025، كان هناك انخفاض حاد ومطوّل في مستويات الأمطار، ما وضع ضغوطًا إضافية على الموارد الهيدرولوجية للمدينة.
الوضع لا ينحصر فقط في طهران بل يمتد ليشمل أجزاء واسعة من إيران، حيث كشفت الأقمار الصناعية عن نمط غريب لهطول الأمطار بين الشمال والجنوب. شمال إيران شهد زيادة طفيفة في الأمطار، بينما تعرض وسط وجنوب البلاد لعجز كارثي أثر سلبًا على التوازن المناخي في المنطقة. هذا العجز نتج عن قلة النشاط العاصفي وانخفاض تراكم الغطاء الثلجي، وهو ما حدّ من تدفقات المياه ودفع أزمة الجفاف إلى أبعاد غير مسبوقة.
بطبيعة الحال، عندما تكون المياه أحد العناصر الأساسية لبقاء المدن الكبرى وصمودها أمام التحديات الطبيعية، فإن اختفاءها يضع الجميع أمام ضرورة اتخاذ قرارات جذرية وسريعة. أزمة المياه التي تعاني منها طهران اليوم ليست إلا إنذارًا لما قد يطال مناطق أخرى إذا لم تُتخذ إجراءات مستدامة للتكيف مع التغير المناخي.
قلة هطول الأمطار خلال شهري نوفمبر وأبريل لعامي 2024 و2025 مقارنةً بمتوسط الفترة بين 2000 و2019، استنادًا إلى بيانات التشغيل النهائي لمجموعة GPM.IMERG.V07B))، يوضح تغيرات ملموسة في أنماط الهطول. 
في سياق توقعات تأثير تغير المناخ على هطول الأمطار عالميًا، تبرز منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط والمناطق المحيطة بها كمنطقة ذات أهمية خاصة بسبب تراجع كميات الهطول، ما يجعلها نقطة ساخنة. 
الباحثان (ألكسندر تويل +إلفاتح الطاهر) من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا شرحا أسباب هذا التغير، إذ تشير دراسة حديثة لفريق بحثي إلى استمرار تراجع هطول الأمطار الشتوية والربيعية في بلاد الرافدين والمناطق المجاورة تحت سيناريو الانبعاثات العالية بحلول أواخر القرن الحالي.
 يعود ذلك إلى تغيرات متوقعة في أنماط دوران الهواء شمال ووسط البحر الأبيض المتوسط، إذ تؤدي إلى إضعاف تكوين العواصف الشتوية وتقليص انتشارها شرقا، ما سيؤثر على هطول الأمطار في تلك المناطق، بما فيها المحيطة بطهران.
العامل الإضافي المؤثر هو نزوح مسارات العواصف نحو القطب. فمع حلول فصل الربيع، تتحرك أنماط دوران الهواء شمالًا باتجاه جنوب أوروبا، ما يؤدي إلى خلق توزيع مزدوج التأثير: زيادة في معدلات الأمطار بالشمال مقابل انخفاضها في الجنوب، بما يشمل طهران. تبرز هذه الظاهرة بوضوح في محاكاة أنماط المناخ المستقبلية وفق نماذج الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، التي توقعت تغيرات إقليمية مشابهة لما لوحظ مؤخرًا. هذا التداخل بين الأنماط الفعلية المتحققة والمتوقعة يعزز الفرضية القائلة بأن ظروف الجفاف الراهنة قد تكون لمحة عن مستقبل تكون فيه الأمطار الموسمية أقل، خصوصًا خلال فصول الربيع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر/ مجلة وايرد (بالإنجليزية: Wired) : هي مجلة أمريكية تأسست عام 1993، تهتم بالتجارة والأعمال والتقنية والحياة اليومية والاجتماعية. صدر العدد الأول منها في يناير 1993. يقع مقرها في سان فرانسيسكو. تصدر المجلة كل شهر. وهي باللغة الإنجليزية. تباع منها 853823 نسخة. https://www.wired.com/story/why-tehran-is-running-out-of-.

طهران.jpeg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!