عندما سقط النظام السابق وسيطرت القوات الأمريكية الغازية على العراق في 2003، عمت الفوضى وانفلت الأمن، واختفت كل مؤسسات الدولة الأمنية والمخابراتية والعسكرية، وهرب من هرب من منتسبيها واختفى من اختفى. فقصّ الأمريكان شريط الفوضى والنهب والسرقة وشجعوا الناس على ذلك! وسرقوا ما خفّ وزنه وعظم ثمنه من آثار ومخطوطات وكنوز ووثائق تاريخية كانت موجودة في خزائن البنك المركزي، ناهيك عن مليارات الدولارات. والمؤلم في صورة المشهد أن الإخوة العرب والجيران هم من ساعدوا الأمريكان على الغزو وشاركوا بكل ذلك النهب والسرقة! والشيء الملفت أن السراق لم يكتفوا بما سرقوا، فقد كان هناك ضوء أخضر من قبل الأمريكان بأن يُحرق ويُدمّر كل شيء من دوائر ووزارات ومؤسسات الدولة، فكان المشهد أقرب إلى غزو مغولي وبربري همجي بامتياز، والأقسى ألمًا أن أبناء الوطن كانوا في طليعة من سرق ودمر ونهب وحرق!!.
حينها التقت إذاعة الـ(BBC) البريطانية بالمؤرخ المعروف الأستاذ (حسن العلوي)، باعتباره كان من معارضي النظام، وسألته: كيف سيتم بناء العراق من جديد بعد أن تم تدمير ونهب وسرقة كل شيء فيه؟ فأجاب قائلًا: (لا تسألوني كيف سيتم بناء العراق من جديد، بل اسألوني كيف سيتم بناء الإنسان العراقي الذي دمرته ظروف الحرب والحصار وقسوة النظام الدكتاتوري، فمن السهل أن نعيد بناء الجسور والكهرباء والمدارس والمستشفيات، ولكن الصعب هو كيف نعيد بناء الإنسان العراقي المدمّر؟).
لقد كان جواب السيد (حسن العلوي) منطقيًا وصحيحًا، فالإنسان في الدول المتقدمة والمتحضرة يُعتبر هو رأس مالها الحقيقي، فتحرص على بنائه بناءً صحيحًا من جميع النواحي حتى الرياضية والفنية منها. واليابان مثال على ذلك، فهذا الشعب الرائع وصل إلى درجة كبيرة من الرقي والتحضر والتهذيب في كل شيء، حتى صار يُطلق عليهم بأنهم شعب من كوكب آخر! ولا شك بأن هناك قيادة حكيمة ورشيدة حرصت وسهرت وخططت وضحت من أجل أن تجعله في مقدمة وطليعة شعوب العالم، حتى صار الشعب والفرد الياباني مضرب الأمثال في كل شيء.
والكل يعرف ما أصاب اليابان في الحرب العالمية الثانية، حيث قصف الأمريكان مدينتي (هيروشيما وناغازاكي) بالقنابل النووية، ولكنهم استطاعوا النهوض من تحت الركام وأعادوا بناء وطنهم مثلما كان وأحسن، بفضل إنسانهم الواعي والمحب لوطنه وبفضل حكامهم الوطنيين، والقصص عن عجائب هذا الشعب كثيرة وملفتة للانتباه. فلا يوجد شعب عظيم وراقٍ ومثقف ومتحضر إلا إذا كانت وراءه حكومة وطبقة سياسية واعية ووطنية تعمل من أجله ومن أجل الوطن.
لقد كان حلم العراقيين كبيرًا بعد سقوط النظام السابق بأن أمريكا ستجعل من العراق وشعبه وطنًا رائعًا وأمة عظيمة!! ولكن آمال العراقيين ذهبت سدىً، ولم يتحقق وعد واحد من الوعود التي سمعوها من الغزاة الأمريكان، بل كان على العكس من ذلك، فقد كان للغزو الأمريكي والبريطاني للعراق تداعيات كثيرة وكبيرة على الإنسان العراقي، حيث حطمت ودمرت بنيته الأخلاقية والفكرية والإنسانية أكثر من السابق! ولم تكن الحرية والديمقراطية التي طالما بشروا بها العراقيين إلا كذبة كبيرة، حيث فُتحت أبواب الفوضى والفساد على مصاريعها باسم الحرية والديمقراطية، حتى كره العراقيون تلك الديمقراطية والحرية، وباتوا يحنّون إلى أيام الديكتاتورية البغيضة!
وهذا ديدن الاستعمار أينما حلّ ويحل، فلا يوجد استعمار أحبّ البلاد التي استعمرها، بل يأخذ خيراتها وكل ما هو مفيد فيها ويتركهم في فوضى وأزمات وفقر وجوع وحاجة مستمرة دائمًا، وهذا ما فعله الأمريكان ومن تعاون معهم من الداخل والخارج بالعراق.
إن الظروف غير الطبيعية والقاسية التي مرت على العراق إبان حكم البعث من 1968 ولحين الاحتلال في 2003 (من حروب وحصار وسلطة دكتاتورية مرعبة) ألقت بظلالها الرمادية على المواطن نفسه وعلى مجمل الحياة العامة، والتي أدت بدورها إلى تغيير أخلاق الناس تبعًا لذلك ، فأصبح المجتمع مجتمع حرب، وأصبح العنف والقسوة وحب الذات والنفاق صفة المجتمع مع الأسف.
وازدادت الأمور سوءًا بعد غزو العراق، حيث تم تدمير ما بقي من هذا الإنسان . فبعد ثلاثة وعشرين عامًا من الاحتلال، وما جرى على العراق من مصائب ودمار وتجهيل وفقر وظلم وصل إلى حد الكفر والإلحاد لدى البعض (إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك!). والغريب في الأمر أن كثرة الجوامع والحسينيات، وكثرة الطقوس الدينية على مدار السنة، لم تزرع الأخلاق في نفوس العراقيين كما هو المفروض، بل على العكس، زرعت الفرقة والفتن الطائفية والكره والحقد بين الناس!
ولو تصفحنا تاريخ الدولة العراقية منذ قيامها عام 1920 وحتى سقوط نظام البعث واحتلال العراق ولحد الآن، لوجدناه تاريخًا مليئًا بالأحداث الدامية، فلن يهنأ هذا الشعب ويستقر ويرتاح إلا في سنوات بسيطة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. ففترة الحكم الملكي لم تكن فترة الزمن الجميل والفترة الذهبية كما يرى البعض ويعتقد، بل كثرت فيها المؤامرات والفتن والثورات والانقلابات (انقلاب بكر صدقي عام 1936 وثورة مايس 1941)، ناهيك عن سيطرة العشائر والإقطاعيين.
فالملك فيصل الأول، مؤسس الدولة العراقية، مات في سويسرا عام 1933 في ظروف غامضة، وهناك شكوك كثيرة بأن موته لم يكن طبيعيًا. ثم خلفه ابنه غازي الذي مات في حادث سيارة عام 1939 يُعتقد أنه مدبر من قبل الإنكليز. فخلفه عبد الإله أخو زوجته على وصاية العرش، والتي رافقت وصايته أحداث ثورة مايس عام 1941 وإعدام الضباط الذين اشتركوا بالثورة، فلم تخلُ وصايته من أحداث جسام.
وفي عام 1953 تسلم الملك فيصل الثاني عرش العراق بعد أن بلغ الثامنة عشرة من العمر، ولم يهنأ طويلًا في الحكم، حيث قُتل مع العائلة المالكة في أحداث ثورة 14 تموز عام 1958 بتصرف طائش وغير مسؤول من قبل أحد ضباط الثورة.
ثم جاءت فترة الجمهورية وثورة 14 تموز وزعيمها ومؤسسها عبد الكريم قاسم، الذي تم قتله من قبل البعثيين وصديقه القريب عبد السلام محمد عارف في انقلاب 8 شباط عام 1963، ورُميت جثته في نهر ديالى من قبل الحرس القومي الرهيب. ثم انقلب المشير عبد السلام عارف على الحرس القومي ، بعد أن أشاعوا الرعب والخوف والموت والقتل بين العراقيين، وتحديدًا الشيوعيين، على مدى أكثر من عشرة أشهر.
ثم مات عبد السلام عارف عام 1966 بحادث احتراق الطائرة، والتي عليها الكثير من الشكوك!، فخلفه أخوه عبد الرحمن عارف على الحكم عام 1966. وأعتقد، وقد يتفق معي الكثيرون، أن فترة الرئيس عبد الرحمن محمد عارف، والتي امتدت لمدة سنتين وثلاثة أشهر (16 نيسان 1966 ولغاية 17 تموز 1968)، كانت فترة من الهدوء السياسي إلى حد ما، حيث عُرف عنه البساطة والهدوء ودماثة الأخلاق، وكان يعتبر نفسه موظفًا ينتهي دوامه مع أي موظف في دوائر الدولة بعد أن ينظر إلى ساعته، وهذا ما نقله عنه المؤرخون.!
وبالتالي كان من السهل الانقلاب عليه من قبل البعثيين الذين سيطروا على الحكم مرة ثانية، فدخل العراق حقبة جديدة من الخوف والترقب، حيث تميزت فترة الحكم البعثي بكثرة المؤامرات والصراعات السياسية الخفية والمعلنة بين الحزب الواحد نفسه، وكثرة الإعدامات والاغتيالات والتصفيات بين رفاق الأمس أنفسهم، ودخل العراق في حروب عبثية كان بالإمكان تجنبها لو كانت هناك عقول ناضجة وحكيمة.
وبالتالي تسببت تلك السياسة الهوجاء وأعطت كل المبررات لغزو العراق من قبل أمريكا وبريطانيا، ذلك الغزو الذي دمر العراق وأنهى كل أمل للنهوض به من جديد، حيث لم يذق العراقيون طعم الراحة والأمان والاستقرار والهدوء في ظل الاحتلال، بل عاشوا بخوف كبير بسبب الحروب الداخلية وزرع الفتنة الطائفية.
فكل هذه الأحداث والحروب والثورات التي مرت على العراق، والتي عاشها العراقيون جيلًا بعد آخر، كانت كفيلة بأن تمزق شخصية الإنسان العراقي وتكثر فيه الكثير من الندوب النفسية التي انعكست على سلوكه وتصرفاته وفكره من حيث يدري ولا يدري.
وبالتالي نسأل بعد كل هذا السرد التاريخي وما جرى على العراق وشعبه منذ تأسيس الدولة العراقية في 1920: متى سيتم إعادة بناء الإنسان العراقي، الذي كان ضحية حكام السلطة من ملكيين إلى جمهوريين؟ وهل هناك أمل في ذلك؟
لا أدري كيف يريد الرئيس المجنون ترامب أن يعيد العراق عظيمًا على حد قوله، متناسيًا بأن الأمريكان، والجمهوريين منهم تحديدًا، هم من غزوا العراق ودمروه، وشجعوا كل الدول الإقليمية وكل دول الجوار للتدخل في شؤونه والسيطرة عليه.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!