إن كل دولة من دول العالم تفتخر وتتباهى بجيشها وتعتز به، وترصد له أكبر الميزانيات المالية من أجل تطويره وتسليحه بأحدث الأسلحة، لأن الجيش يمثل السور الأمين للوطن وهيبته وصمام الأمان له وقت المحن، حين يكون الجميع تحت مظلته الآمنة. وقد يجمع غالبية العراقيين على أن العراق قد ضاع وانكسر وسقطت هيبته واستُبيح من كل دول العالم القريبة منه والبعيدة، عندما قرر الحاكم المدني الأمريكي السيئ الذكر (بول بريمر) حل الجيش العراقي، والذي من بعد حله حلّ الخراب والدمار في العراق، وتكالب عليه الأعداء وكل قوى الشر من الشرق والغرب، لتنهش به وتحيله إلى بقايا وطن كان مضربًا للأمثال وعنوانًا كبيرًا لأقدم الحضارات في العالم، وموطن أساطير ألف ليلة وليلة.
إن حل الجيش العراقي كان الخطوة الأولى والأخطر لتنفيذ مؤامرة تدمير العراق وتحطيمه بالكامل ومسح تاريخه الإنساني والحضاري والوطني، حيث انفرطت مسبحة العراق وتناثرت حباته المتماسكة من بعد ذلك. وإذا استثنينا جهاز مكافحة الإرهاب الذي فيه نفحة من نفحات الجيش العراقي السابق، والذي نال وحظي بإعجاب كل قادة وجيوش العالم (حتى إن البعض من قادته تم استدعاؤهم لإلقاء محاضرات عن حرب المدن في أكبر كليات الأركان بالعالم!)، وذلك لكون هذا الجهاز تحمل العبء الأكبر من معارك تحرير العراق من عصابات داعش الإجرامية، حيث خاض أعتى المعارك وأصعبها في تاريخ الحروب الحديثة، وهي حرب المدن وتطهيرها، وحقق بها انتصارات باهرة، حيث يعود له الفضل الأكبر في إعادة الموصل وباقي المناطق الغربية إلى حضن الوطن بعد أن كانت تحت سلطة تنظيمات داعش الإرهابية.
فباستثناء هذا الجهاز، فإن الجيش العراقي الحالي بكل صنوفه، مع كل الاحترام والتقدير لكل منتسبيه بدءًا من السيد وزير الدفاع ونزولًا إلى أصغر جندي، هو صورة باهتة لصورة الجيش العراقي السابق! (هنا لا نقصد بالجيش إبان حكم النظام السابق، بل الجيش العراقي بكل تاريخه منذ تأسيسه عام 1921)، لأسباب لم تعد خافية على أحد، ويكفي أن نقول إن وزارة الدفاع من بعد الاحتلال الأمريكي الغاصب ، لم تسلم من المحاصصة! التي هي أساس كل الفساد والخراب والدمار الذي حل بالعراق، وبالتالي لم تكن الوزارة بعيدة عن الفساد الذي نخر بجسد العراق بكل دوائره ووزاراته المدنية والعسكرية، وبكل قطاعاته الخاصة والحكومية، وهذا ما تحدثت عنه الفضائيات والكثير من المتابعين علنًا وعبر الفضائيات، وكلنا نتذكر كم من مرة استضاف البرلمان العراقي بعض وزراء الدفاع على خلفية وجود شبهات فساد عليهم!! ، وقبل الدخول الى صلب الموضوع لابد من التذكير بأن قانون التجنيد الإلزامي قد أقر أبان عهد ( الفريق الركن جعفر العسكري عام 1932 ).
تتعالى بين الحين والآخر، ووسط ضجيج الأزمات العراقية السياسية والاقتصادية والأمنية، التي لا تنتهي والتي ليس لها أول ولا آخر، أصوات البعض من أعضاء البرلمان للعودة إلى إعادة العمل بقانون التجنيد الإلزامي (خدمة العلم)! فبتاريخ 19/4/2026 تمت القراءة الأولى في البرلمان لإعادة العمل بالقانون المذكور بحضور 198 نائبًا! ولا أدري لماذا هذه السرعة؟!.
وبعيدًا عن صفاء النية أو سوئها، وما تحمله مثل هكذا دعوات من مقاصد، وفي مثل الظروف التي يمر بها العراق سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، فلا يزكي الأنفس إلا الله عز وجل، نسأل هنا: ما هي الأسس المنطقية والعقلية التي اعتمد عليها أصحاب هذه الدعوات؟ وهل أجواء العراق السياسية والاقتصادية والفوضى وأزماته التي لا تنتهي، والتي يعيشها منذ أكثر من 20 عامًا، مناسبة لطرح موضوع التجنيد الإلزامي؟
ثم هل فكر أصحاب هذه الدعوات النشاز، والتي لا محل لها من الإعراب كما يقال، من أين يأتي العراق بالإمكانيات اللازمة لتوفير كافة المستلزمات من خدمات لوجستية ومعسكرات ومعدات وما إلى ذلك من أمور تكميلية يعرفها الضباط الكبار المهنيون وكل من أدى الخدمة الإلزامية سابقًا من العراقيين؟ أم هي دعوة وبالون هواء لإشغال الشارع العراقي والسلام؟،
وهل حاول أصحاب هذه الدعوات طرح أفكارهم أمام ضباط كبار مهنيين من ضباط الجيش العراقي السابق، والموجود عدد منهم في الجيش العراقي الحالي، للاستئناس برأيهم؟ وهل سأل أصحاب هذه الدعوة غير المنطقية أنفسهم من أين نأتي بالرواتب لمن سيتم استدعاؤهم لأداء الخدمة الإلزامية، في ظل ظروف العراق المالية التي لا تسمح بذلك، والتي بالأكيد ستشكل عبئًا على الميزانية العراقية التي تعاني من نقص كبير لا يسد حتى لتغطية رواتب الموظفين والمتقاعدين، التي بالكاد وبشق الانفس يتم تدبيرها كل شهر بسبب الفساد الذي أكل كل شيء؟
ومن المفيد أن نذكر هنا أنه سبق للبرلمان العراقي أن طرح موضوع إعادة العمل بالخدمة الإلزامية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2018، وكذلك في شهر أيلول/سبتمبر من عام 2019، ولم يحظَ بالقبول والموافقة لنفس الأسباب التي نطرحها الآن!!! ، لأن مشاكل العراق المالية والسياسية والاقتصادية هي نفسها تدور وندور معها منذ تشكيل أول حكومة محاصصة في العراق عام 2005 ولحد الآن.
وعلى الرغم من القراءة الأولى لمشروع إعادة الخدمة الإلزامية، فإني أرى، ويتفق معي الكثير من العراقيين، أن مثل هذه الدعوات غير مجدية في الوقت الحاضر، ولا تحمل أي بُعد وطني! كما يرى أصحابها ، كما أن هذه الدعوات ستزيد من حالة الفوضى والهوسة التي يعيشها العراق، والأهم والأخطر أنها ستفتح أبوابًا جديدة للفساد والفاسدين.
ثم نسأل: كيف سيُكتب النجاح لمثل هذه الدعوة ، ونسبة ليست قليلة من شبابنا صاروا ضحية للإدمان على المخدرات ، بسبب البطالة والفقر والعوز والجهل والتخلف؟
أخيرًا نقول: أذا كان حل الجيش العراقي من قبل الامريكان منذ احتلالهم العراق خطأ كبيرا وكارثيا ، فلا تصلحوا الخطأ بخطأ أكبر منه! ، بالدعوة إلى أعادة العمل بقانون التجنيد الإلزامي في الظروف المالية والأمنية والسياسية والاقتصادية التي تمر بها المنطقة والعراق تحديدا!!، فأن أزمات العراق ومشاكله كثيرة ، فليعمل البرلمان وأصحاب القرار على حل ولو جزء منها! ، قبل طرح موضوع التجنيد الإلزامي ، أنا مع إعادة العمل بقانون الخدمة الإلزامية لشبابنا وأولادنا قلبًا وقالبًا، ولكن بعد أن تهيئ الحكومة كل مستلزمات نجاح ذلك ، حيث لا أرى في مثل هذه الدعوات بالوقت الحاضر، مع كل الاحترام والتقدير لأصحابها ، نفسًا وطنيًا خالصًا، بقدر ما أرى فيها دعوة لزيادة الفوضى وإلهاء الناس، والشباب تحديدًا ، أليس كذلك؟.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!