انتهت المفاوضات بين أمريكا وإيران، والتي جرت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد قبل أيام، واستمرت لمدة 21 ساعة، تخللتها بعض الاستراحات، وانتهت إلى طريق مسدود ، وفي الوقت الذي تقول فيه إيران إنها قدمت تنازلات مرضية أثناء المفاوضات، تقول أمريكا إنها كانت مرنة جدًا أثناء المفاوضات ، وما دام الأمر كذلك ، إذن لماذا فشلت المفاوضات؟ حيث لم تتسرب أية أخبار تشير إلى تفاهم ولو على نقطة واحدة! إذن أين التنازل من قبل إيران؟ وأين المرونة من قبل أمريكا؟
ومع ذلك أرى أن هناك رغبة قوية لدى الطرفين للتوصل إلى صيغة تفاوضية مرضية، وعدم العودة إلى القتال مرة أخرى، رغم استمرار التصعيد الإعلامي بين الطرفين. فالمعروف أن أول بوادر التفاهم بين أي أطراف متحاربة هو توقف التصعيد الإعلامي بينهم، وهذا لم يحدث بين أمريكا وإيران حتى الآن.
ومن وجهة نظري، أرى أن أوراق إيران في التفاوض أقوى من أمريكا ؛ فإيران جاءت إلى إسلام آباد وهي تتفاوض على (تخصيب اليورانيوم، وبرنامج الأسلحة الصاروخية الباليستية والفرط صوتية، ومضيق هرمز، وفصائل المقاومة في كل من العراق ولبنان واليمن، والتعويض عن الخسائر والدمار الذي لحق بها بسبب الحرب)، في حين جاءت أمريكا إلى إسلام آباد وهي تتفاوض على رفع التجميد عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، والتي تبلغ أكثر من 120 مليار دولار. يعني أن إيران تتفاوض وتناور بخمسة أوراق قوية، في حين أن أمريكا تتفاوض فقط على رفع التجميد عن الأموال الإيرانية، أي إن المفاوضات تجري بصيغة (خمسة ضد واحد).
ومن المعروف أن إيران تمتلك المهارة ولديها الخبرة وتعتمد على النفس الطويل والصبر في كيفية إدارة المفاوضات بنجاح، كما في مفاوضات عام 2015 والتي قادها وزير خارجية إيران السابق (محمد جواد ظريف) بنجاح لافت، والتي كانت تخص موضوعًا واحدًا وهو تخصيب اليورانيوم فقط، فما بالك وإيران تمتلك في هذه المفاوضات خمسة مواضيع كلها مهمة وتسبب إزعاجًا لأمريكا والعالم، وتحديدًا لإسرائيل؟
وهنا لابد من الإشارة إلى أن إيران لديها أصدقاء أقوياء جدًا، عرفت كيف تكسبهم وتجعلهم يقفون إلى جانبها في منع أي تصويت ضدها (فيتو) في مجلس الأمن، وهم كل من الصين وروسيا، وهذا مما يعطيها قوة سياسية ودبلوماسية ، وكذلك لابد من الإشارة هنا إلى جانب مهم غفل عنه الكثيرون، والذي أدى إلى قبول أمريكا الدخول في المفاوضات!، وهو السلاح الصيني الذي وصل إلى إيران (صواريخ سهلة الاستعمال تُحمل على الكتف ضد الطائرات المقاتلة)، حيث استطاعت إيران إسقاط أربع طائرات حربية أمريكية!، وهذا يعني فقدان السيطرة الجوية الأمريكية والإسرائيلية على الأجواء الإيرانية، ناهيك عن طائرات الدرون المتطورة التي قدمتها روسيا لإيران، وهي نفس طائرات الدرون الإيرانية التي سبق لإيران أن قدمتها لروسيا في حربها ضد أوكرانيا، وقد تم تطويرها من قبل روسيا بحيث أصبحت أكثر تأثيرًا، وهذا ما أقلق أمريكا.
إن أمريكا تدرك تمامًا أن سقف مطالبها من إيران كبير جدًا، فليس من المنطق والمعقول أن توافق إيران على تسليم 450 كغم من اليورانيوم المخصب، وهو أساس المشكلة واندلاع الحرب، وأن يكون التخصيب مستقبلًا خارج أراضيها وفي أي دولة في العالم وتحت إشراف أمريكا ومنظمة الطاقة الدولية، وأن تفكك برنامجها للصواريخ الباليستية والفرط صوتية العابرة الذي ألحق أضرارًا كبيرة بإسرائيل وبعض دول الخليج، وأن لا يتجاوز مداه مستقبلًا 300 كيلومتر، وأن تتخلى عن دعم فصائل المقاومة التابعة لها في كل من العراق واليمن ولبنان، كل ذلك مقابل أن ترفع أمريكا جزءًا من الأصول والأموال الإيرانية المجمدة.
فإيران، ومن باب الفرض، قد تتخلى عن كل ذلك مقابل أن يُرفع عنها الحصار الاقتصادي كاملًا، والذي فرضته أمريكا عليها منذ 40 عامًا!، وأن تُعاد لها كل أموالها المجمدة، ولكن أن تتخلى عن كل مواضيعها التفاوضية مقابل رفع جزئي عن بعض الأموال المجمدة لدى دولة قطر (6 مليارات دولار)، فهذا من سابع المستحيلات، وحسب قول المسؤولين الإيرانيين.
ولا بد أن لا نغفل جانبًا مهمًا، وهو أن أمريكا تريد تدويل حربها مع إيران، بحيث لا تقتصر عليها وعلى إسرائيل، لاسيما أنها شعرت بخيبة أمل كبيرة من دول الناتو الذين لم يشاركوا في الحرب ضد إيران. فجاء تطور موضوع مضيق هرمز، عندما فرضت إيران رسومًا على السفن العابرة، والذي استغلته أمريكا حيث قامت بفرض طوق على الحصار الإيراني، مما زاد الأمور تعقيدًا، حيث هددت أكثر من 30 دولة، وعلى رأسها بريطانيا، بالاستعداد للمشاركة في فك الحصار عن المضيق بالقوة إن استدعى الأمر ذلك، وهذا ما تريده أمريكا ، ومن المعروف أن إغلاق المضيق من قبل إيران أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود في العالم بشكل كبير.
فإيران يمكن أن تتخلى عن موضوع التخصيب وعن ملف مضيق هرمز، لكنها لا تتخلى عن برنامجها الصاروخي الذي فاجأ العالم وليس أمريكا وإسرائيل فقط، فهذا البرنامج يعد ورقة تفاوضية مهمة وقوية بيد إيران، وكذلك ليس من السهولة أن تتخلى عن فصائلها المقاومة التي تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، وخاصة حزب الله في لبنان (حيث طالبت إيران بشمول لبنان بالهدنة المؤقتة، وهذا ما رفضته أمريكا وإسرائيل باعتبار أن لبنان جبهة حرب أخرى).
وهنا لابد من التطرق إلى جانب مهم من وجهة نظري، وهو موضوع المصالح القومية العليا لكل من أمريكا وإيران، والتخادم السياسي الذي يمكن أن يحدث بينهما من أجل الحفاظ على تلك المصالح ، فالمعروف في عالم السياسة أنه لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة ، فليس من مصلحة أمريكا وبريطانيا وباقي دول الغرب هدوء منطقة الخليج، فهذه المنطقة الغنية بالبترول لابد أن تبقى ملتهبة وغير مستقرة! على الدوام لضمان استمرار تدفق السلاح الأمريكي والغربي بمليارات الدولارات.
فما المانع أن يكون هناك تخادم بين أمريكا وإيران، بحيث تتزعم إيران المنطقة مقابل أن تتخلى عن برنامجها النووي نهائيًا، وتبقي على الصواريخ الباليستية بمديات تهدد أمن دول الخليج، وكذلك الإبقاء على فصائل المقاومة في العراق واليمن ولبنان، مقابل أن تتعهد بعدم المساس بالقواعد الأمريكية وعدم المساس بأمن إسرائيل؟
وهنا لابد من التذكير بأن ترامب طلب مشاركة إيران في الرسوم التي تُفرض على السفن العابرة من المضيق، وهي إشارة إلى إمكانية وجود تخادم اقتصادي يؤمن مصالح الطرفين ، وبالمقابل سبق لإيران أن أعلنت أنه لا مانع لديها من استثمارات أمريكية بمئات المليارات داخل إيران، لا سيما أن الجميع يدرك أن أمريكا تبحث دائمًا عن مصالحها، وتقف مع من يؤمن تلك المصالح وأمن إسرائيل ، وكثيرًا ما سمعنا من الرئيس الأمريكي ترامب عدم احترامه لدول الخليج وتهديدها بدفع ما يُطلب منها مقابل ضمان أمنها. وبنفس الوقت فإن مثل هذا الاتفاق، إن حدث، قد يبعد إيران عن محور روسيا والصين، وهذه مسألة مهمة جدًا بالنسبة لأمريكا.!
بالتالي يمكننا القول إنه من حق إيران أن تبحث عن مصالحها، وأن تحافظ على قوتها كدولة إقليمية يُحسب لها ألف حساب، لا سيما أن هناك تيارات وزعامات سياسية في إيران لا تحبذ استمرار الحرب والتوتر مع أمريكا وإسرائيل.
أخيرًا أرى، ومن وجهة نظري، أن إيران ستنجح في الخروج من هذه المفاوضات بمكاسب كبيرة اقتصادية وسياسية. ولننتظر ونرى.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!