كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

(لا بدَّ من السؤال) .. ما الفرق بين المعلّمات؟

 الأجدر بينهنّ هي التي تبقى في ذاكرة طالباتها، وتترك في أرواحهن أثرًا لا يزول. تلك حقيقة أدركتها مبكرًا، فقد كانت معلمتي تقرأ السؤال في وجهي قبل أن أنطقه، وتقول لي بصمتها الجميل: اسألي لأشعر بوجودكِ.
كبرت معي هذه العبارة، وكبرت معها أسئلة أخرى: ما نفع السؤال؟ أهو من مكمّلات الدرس؟ أم هو صورة من صور الحراك الذهني؟ أم أنّه الوسيلة الأصدق لمقاومة التلقين وكسر الجمود؟
وحين بلغنا الجامعة، أدركنا أنّ هناك قناعات مغلقة لا تقبل الحوار، وعقولًا ترفض النقاش. عندها ازددت يقينًا بأن السؤال ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو مفتاح الوعي، وطريق الفهم، وأداة بناء الشخصية المفكرة.
ولهذا أقول لطالباتي دائمًا: ما أجمل أن نتحاور. فالحوار داخل الصف الدراسي يكشف لنا مزايا الإدراك الصحيح، ويمنحنا وعيًا حقيقيًا بدل الحفظ الصامت، ليغدو كل درس تجربة، ومع تراكم التجارب تكبر الحياة في داخلهن، حتى تصبح التجربة أكبر من العمر نفسه. ومن تتعلم السؤال، ستتعلم الجواب.
وقد علمتنا السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هذا المعنى الراقي، إذ كانت تسأل أباها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أمور الدين، وعن مصير من تهاون بصلاته، وكانت تتلقى منه التوجيهات والإرشادات. ولم يكن سؤالها نابعًا من جهلٍ بما تسأل عنه، بل كان تأسيسًا لمنهج الحوار، وتعميقًا للمعرفة، وإيصالًا لهدي النبي إلى الناس، وتعليمًا للأمة كيف تنحني بتواضع أمام العلم وأهله.
ومن خلال تجربتي في التعليم، لاحظت أن بعض الطالبات لا يسألن حتى أنفسهن، مع أن سؤال النفس من أعظم أبواب التفكير. كما أن بعض الأسئلة المحرجة التي تُطرح بقسوة على أي تقصير في الأداء، قد تدفع الطالبة إلى التبرير، ثم إلى الكذب هربًا من التوبيخ.
كان البيت قديمًا يربّي التلميذة على الاحترام والطاعة وطلب رضا المعلمة، أمّا اليوم فقد أصبح بعض البيوت يغرس في نفس الطالبة الصدّ والعنف والعناد، ويزرع فيها أفكارًا سلبية، ومن الطبيعي أن تتنامى معها الخيبة.
ومن لا تمتلك السؤال، لا تمتلك الإجابة. تراها ضعيفة في الحوار، لأن الحجة غائبة عنها، ومرونة التعايش ناقصة فيها. تريد للعالم أن يسير أمامها وهي واقفة تتفرج لا أكثر. وحين تعجز عن الفهم، قد تلجأ إلى تضخيم المشكلات أو اختلاقها طلبًا لمكاسب زائفة زيّنها الشيطان.
إن بناتنا محصّنات بالله ورسوله، وبمحبة أهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك لا بد أن يسألن عن كل خطوة يخطونها، وأن يتحرين الوعي قبل القرار، والمعرفة قبل الفعل.
فالسؤال رحمة، والعقل الذي يسأل عقلٌ حيّ لا يموت.

معلمة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!