وكأن الجميع متفق بأن المعلم فقد هيبته حين فقد عصاه، وأن علينا التفكير كيف نعيدها له لنضمن إنجاح المسيرة التربوية في العراق. غير أن هذا التصور يحتاج إلى وقفة تأمل ومراجعة هادئة، فالمشكلة أعمق من مجرد أداة كانت في يد المعلم.
هل موت العصا هو سبب تدني المستوى العلمي في مدارسنا؟ المعروف أن لا مؤسسة تخلو من وجود حالات فردية مخيبة للآمال، إذاً لماذا تتحمل المدرسة وحدها مسؤولية الفشل عند من يعتقد بذلك؟ ولماذا لا يُحمَّل البيت جزءًا من هذا التردي إن وُجد؟ التربية عملية مشتركة بين البيت والمدرسة والمجتمع، ولا يمكن لطرف واحد أن يتحمل نتائجها وحده.
لقد كان البيت أكثر فاعلية بانتمائه إلى المنهج التربوي في حياة التلميذ؛ يتابع ويشارك ويسأل ويجاهد في سبيل أبنائه، ويزرع فيهم احترام المعلم قبل أن يصلوا إلى المدرسة. أما ما بعد مرحلة العصا فقد أصبح المعلم أكثر اندماجًا في حياة المجتمع وصار جزءًا منه؛ فهو مسالم لا يفرض احترامه بالقوة، ولا يرعب أحدًا ولا يهدد الصغار، بل رؤوف يتمتع بكامل وقاره. وغالبًا ما يميل قلب الطالب إلى المعلم الرؤوف أكثر من المعلم القاسي، لأن الاحترام الحقيقي يولد من القدوة لا من الخوف.
والمعلم الظالم كان موجودًا أيام العصا وبعدها، لذلك فمن الخطأ اختزال هيبة الملاكات التربوية بالضرب. كما أن طالب العصا لم يكن يملك الإنترنت في حينه، ولا يطّلع على ما يدور في العالم، بينما طفل ما قبل المدرسة اليوم قد يمتلك حصيلة معرفية أوسع من خريج الابتدائية في زمن العصي. لقد تغيرت أدوات المعرفة واتسعت مصادرها، وهذا ما جعل بيئة التعلم مختلفة تمامًا عمّا كانت عليه في الماضي.
لهذا فإن مهمة المعلم اليوم أصعب بكثير من مهمة معلمه أيام زمان، فهو مطالب بكسر نمطية التعليم القائم على التلقين والحفظ، والانتقال إلى أساليب تعتمد الفهم والحوار وتنمية التفكير. كما تعمل الوزارة على تسهيل أمور الطلبة لاجتياز مراحل النجاح، مثل إعطاء فرصة الدور الثالث، ومنح عشر درجات إضافية، والسماح بالدخول الشامل إلى الامتحانات الوزارية، ويرى البعض أن هذه الإجراءات قد تقلل من هيبة المعلم في عيون الطلبة.
لكن الحقيقة أن سبل المعيشة تغيرت، وتغيرت الحياة والبيت والشارع والطالب أيضًا؛ فأصغر طالب اليوم قد يمتلك الجرأة والمعرفة ما يجعله قادرًا على كسر العصا لو كانت بيد المعلم، ولهذا فإن إعادة الهيبة لا تكون بعودة العصا، بل بعودة مكانة المعلم في المجتمع. وعلى المجتمع أن يساند المعلم ويحفظ مكانته، وألا ينتقص من هيبته بسبب وجود حالات سيئة هنا أو هناك.
وفي منحى آخر، يرى بعضهم أن قضية ضياع الهيبة بدأت منذ زمن الطغاة، حين كان راتب المعلم لا يسد ثمن طبقة بيض، مما اضطره للنزول إلى الشارع والعمل في مهن أخرى، بعضها لا ينسجم مع صورته في ذهن الطفل، فتزعزع بذلك مستوى الهيبة في أعين الصغار. أما اليوم فقد يفقد المعلم شيئًا من هيبته حين يلهث خلف الدروس الخصوصية ويهمل دروس الصف، وتلك معضلة أخرى تحتاج إلى مراجعة ومعالجة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!