كثيرًا ما نسمع عبارة: "هو حرّ يفعل ما يشاء."
حتى أصبحت كلمة الحرية عند البعض تعني أن الإنسان يحق له أن يعيش بلا حدود، ولا أوامر، ولا قيود.
لكن هل الحرية فعلًا أن يفعل الإنسان كل ما يرغب به؟
وهل الإنسان يكون حرًّا حين يتبع شهواته، أم حين يتحرر منها؟
هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها تفصل بين مفهومين مختلفين تمامًا للحياة.
الله سبحانه وتعالى منح الإنسان حرية الاختيار، فقال: ﴿لا إكراه في الدين﴾
لكن البعض جعل هذه الآية مبررًا لكل فعل يريده، وكأن الحرية تعني إسقاط كل ضابط، وكل أمر، وكل التزام.
بينما الحقيقة أن الإنسان حين يختار الإسلام، فإنه يختار العبودية لله سبحانه وتعالى، وهذه العبودية ليست إذلالًا، بل أعظم مراتب التحرر.
فالإنسان إما أن يكون عبدًا لله... أو عبدًا لشهواته وهواه.
المسلم لا يشرّع مع الله، ولا يعترض على أوامره، لأنه ما دام قد آمن بالله ربًا وخالقًا، فإنه يلتزم بما أمر به، ويجتنب ما نهى عنه.
ومن هنا نفهم أن الحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يشتهي، بل أن يملك نفسه أمام شهواته.
وقد رُوي عن الإمام الحسين عليه السلام قوله للحرّ بن يزيد الرياحي: «والله ما أخطأت أمك إذ سمّتك حرًّا، فأنت والله حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة.»
فلم يكن الحرّ حرًّا لأنه فعل ما أراد، بل لأنه تحرر من خوف الناس، ومن هوى النفس، واختار طريق الحق.
الإسلام لم يمنع الإنسان من أن يختار دراسته، أو عمله، أو زواجه، أو أسلوب حياته، بل جعل له مساحة واسعة من الاختيار، لكن ضمن إطار رضا الله سبحانه وتعالى.
أما أن تتحول الحرية إلى تبرير للخطأ والمعصية والانفلات، فهذه ليست حرية، بل نوع آخر من العبودية... عبودية الشهوة.
ولذلك كان بعض الصالحين يخجل أن يقول: "أنا حر أفعل ما أشاء"، لأنه يعلم أنه عبد لله، وليس متحررًا من أوامره.
ومن أعظم القصص التي توضّح هذا المعنى قصة بشر الحافي.
في احدى ليالي الأنس والطرب لبشر ، صادف ان مر الإمام الكاظم (عليه السلام) بجانب بيته في بغداد ، فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تخرج من تلك الدار.
وخرجت في تلك الأثناء جارية من قصره تريد ان تلقي فضلات الطعام ، فرمت بها في الدرب ، فقال لها (عليه السلام): يا جارية ، صاحب هذا الدار حرٌ ام عبد؟. فقالت : بل حر.
فقال (عليه السلام): صدقت ، لو كان عبداً خاف من مولاه!
فلما دخلت القصر ، قال لها مولاها وهو على مائدة السكر : ما أبطأك يا جارية ؟ قالت : حدثني رجل بكذا وكذا.
فأثرت في نفسه كلمة الإمام (عليه السلام)، فخرج حافياً حتى لقي الإمام الكاظم (عليه السلام) فتاب على يده ، واعتذر وبكى لديه ، استحياء من عمله ، وسمي منذ ذلك الحين (بشر الحافي).
فكم من إنسان ظنّ أنه يعيش كما يريد، بينما هو في الحقيقة أسير شهوة، أو عادة، أو رغبة تقوده حيث تشاء.
فالحرية الحقيقية ليست أن تُسقط عن نفسك كل قيد، بل أن تعرف أيّ القيود تُنجيك، وأيّها يُهلكك.
ولهذا أعظم شرف للإنسان أن يكون عبدًا لله وحده، لأن من خضع لخالقه لم يخضع لشيءٍ بعده.
فالإنسان حين يبتعد عن الله لا يصبح حرًّا كما يظن، بل يتنقل من عبودية إلى أخرى، أما حين يلتزم بأوامر الله عن قناعة وإيمان، فهنا فقط يبدأ المعنى الحقيقي للحرية


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!