رغم قصر تجربتي في ميدان التعليم، إلا أنني أدركت حقيقة مهمة، وهي أننا إذا أردنا إصلاح أي خلل فعلينا أولًا أن نعترف بوجوده، ثم نفهم أسبابه وحدوده وآثاره، لنتمكن بعد ذلك من وضع الحلول المناسبة له.
ومن أبرز التحديات التي تواجه أبناءنا اليوم التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، هذا العالم الرقمي الذي اقتحم البيوت والعقول، وأصبح عنصراً فاعلًا في تشكيل أفكار الشباب وسلوكهم وتوجيه اهتماماتهم. وبحكم طبيعة هذه المرحلة العمرية، حيث سرعة التأثر والانفعال، فقد بات كثير من الشباب أسرى لما يُنشر يومياً من شائعات، ومعلومات هشة، ومضامين متناقضة تُربك الفكر وتُضعف الوعي.
وهنا يبرز السؤال الأهم أين دور الأسرة؟
أين دور المدرسة؟
وأين موقع المربي في زمن أصبحت فيه الشاشة أقرب إلى الطالب من الكتاب؟
وبوصفي معلمة أعيش هذه التجربة بتفاصيلها اليومية، كنت أفكر دائماً في حلول عملية تتجاوز الشكوى إلى الفعل، وتنتقل من التحذير إلى المعالجة. فتوصلت إلى قناعة راسخة مفادها أن مواجهة أثر هذه الوسائل لا يكون بمنعها أو محاربتها، بل باستثمارها وتسخيرها في الاتجاه الصحيح.
من هنا انطلقت فكرتي أن تكون المعلمة حاضرة مع الطالبات في المدرسة والمنزل والمجتمع، عبر الوسائل نفسها التي تؤثر فيهن، فأصبح جزءاً من هذا الفضاء الإلكتروني، لا لمجرد المتابعة، بل للتوجيه وصناعة الأثر الإيجابي.
وقد طبقت ذلك عملياً من خلال تكليف الطالبات بواجبات ونشاطات تعتمد على البحث عبر الإنترنت، مثل كتابة أحدث ما نُشر عن الأم، أو القراءة وأهمية الكتاب، أو القيم الوطنية والاجتماعية، أو سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) ثم نناقش ما تم جمعه داخل الصف، ونربطه بالمناهج الدراسية والقيم التربوية المطلوبة.
وبهذا الأسلوب تحولت وسائل التواصل من مصدر تشتيت إلى مصدر تعلم، ومن مساحة فراغ إلى مساحة وعي، وأصبحت أنا المعلمة المؤثر الأقرب، بدل أن أترك الطالبات تحت تأثير مصادر عشوائية لا ضابط لها.
لقد لمست إقبالًا كبيراً من الطالبات على هذه التجربة، لأنها كسرت الروتين التقليدي، وخاطبت واقعهن بلغة العصر، وأعادت إحياء دور البيت والمدرسة في آنٍ واحد، كما أسهمت في ترسيخ القيم الدينية والوطنية والاجتماعية الكامنة في نفوسهن.
إن فكرتي تقوم على الاستثمار الأمثل للتكنولوجيا، لا رفضها، وعلى التوجيه بدل المنع، وعلى بناء الوعي بدل الاكتفاء بالتحذير. فنحن حين نحسن استخدام هذه الوسائل، نستطيع أن نجعلها شريكاً في التربية والتعليم، وأداة لبناء جيل أكثر وعياً وثباتاً وانتماء.
لهذا أضع هذا المقترح بين أيديكم، آملًا أن ينال الدراسة والاهتمام، لما فيه من خدمة للعملية التربوية، ومواكبة لواقع أبنائنا وبناتنا في هذا العصر.
ولكم جزيل الشكر والتقدير.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!